التسجيل

أثر العولمة على الجغرافيا السياسية

على مقهى الحياة

المشرفون: عبد العزيز ناصر الصويغ, عبدالله العجلان

عضو مبتدئ
مشاركات: 13
اشترك في: الأربعاء مارس 03, 2010 4:15 pm

أثر العولمة على الجغرافيا السياسية

مشاركة غير مقروءةبواسطة سلطان الفريجان1 » الأربعاء مايو 26, 2010 10:30 pm

أثر العولمة على الجغرافيا السياسية
مقدمــــــــة:
يشهد العالم منذ سنوات قليلة تغيرات جوهرية في بنية السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وساهم في هذه المتغيرات بشكل أساسي تطور وسائل الاتصالات الفضائية، والثورة في المعلوماتية، بحيث أصبح العالم صغيراً، ويمكن لأي شخص في أي مكان من العالم من معرفة أخبار كل العالم خلال وقت قصير جداً، وذلك عبر القنوات الفضائية وعبر شبكة الإنترنت، بحيث أصبحت المعلومات متاحة لكل من يرغب فيها، إضافة إلى ذلك أصبحت حركة الإنتاج والتوزيع تتسم بالعالمية، أي أن الأسواق أصبحت عالمية، وبدعم من منظمة التجارة العالمية، والمؤسسات الدولية، التي تسعى لتحقيق مصالح الدول القوية في نشر بضائعها وأفكارها وثقافتها، وفرضها على أسواق ودول العالم كافة، عبر مطالبتها بفتح الأسواق وإلغاء القيود أمام تدفق السلع والخدمات. كما كان للشركات عابرة القوميات والمتعددة الجنسيات أثر هام في اقتحام الحدود القومية للدول، عبر سيطرتها على وسائل وأدوات الإنتاج مي جهة وأسواق التوزيع والتبادل من جهة ثانية. وقد قويت شبكة مصالح هذه الشركات مع الحكام والقيادات السياسية والاقتصادية في معظم دول العالم، بحيث استطاعت هذه الشركات وخاصة في البلدان النامية، أن تستغل ثرواتها الباطنية وأسواقها، لتحقق ثروات هائلة، بحيث أصبحت قوتها الاقتصادية تزيد عن قوة العديد من الدول.
ومثال ذلك (أن عائلة والنبرغ في السويد تمتلك إمبراطورية من الشركات منها: استرا لصناعة الأدوية وأريكسون للهواتف الخلوية واليكترولوكس للأجهزة المنزلية وسطانيا للشاحنات الثقيلة وساب لصناعة السيارات وساس للخطوط الجوية وبنك إس. أي بانكي، وبلغ إجمالي عائداتها عام 1997م نحو 100 بليون دولار وهو يزيد عن صادرات النفط لدول مجلس التعاون الخليجي)
وترافقت ظاهرة اتساع التدخل المباشر للشركات متعددة الجنسيات في شؤون الدول وخاصة النامية، مع ظاهرة القطب الواحد التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها الدولة المسيطرة على العالم السياسي والعسكري بدون منازع، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات، وانتهاء حقبة الثنائية القطبية، وبذلك أصبحت الدول النامية تعاني من ضغط الشركات المتعددة الجنسيات وتدخلها في قضايا داخلية فيها تؤثر على سيادتها وتعتبر نوعاً من انتقاص السيادة لها، لإضافة إلى الدور الأمريكي المتزايد على الصعيد المالي، بصفته التي يدعمها وهي إنه الحامي للسلام العالمي وحقوق الإنسان، والذي هو في الواقع حامياً للمصالح الأمريكية والغربية فقط. بدليل الدور الأمريكي في عملية السلام بين العرب وإسرائيل، ودوره في حرب الخليج الثانية كحامي للمصالح النفطية الأمريكية، أو دوره في منظمة البلقان، حيث الوجود الأمريكي يعتبراً حيوياً للمصالح وللدور الأمريكي في العالم.
كما شكلت التكتلات الاقتصادية الدولية كظاهرة معاصرة، والمؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ضغوطاً على الدول وخاصة النامية، وأصبحت سيادة الدول النامية منقوصة في العديد من الجوانب، وذلك كثمن للعولمة أو كاستجابة لها.



مفهوم العولمة (ظاهرة قديمة وحديثة):
شهد الاقتصاد العالمي ومنذ حوالي ربع قرن العديد من التحويلات المميزة كان أهمها النمو المتزايد في حجم الاستثمار الأجنبي وفي التجارة المالية، حيث تدفقت الاستثمارات المالية عبر الحدود القومية للدول المصدرة لها من كل من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان، وتوجهت نحو دول جنوب شرق آسيا أو نحو بعض دول الاتحاد الأوروبي أو الدول النامية. كانت الشركات متعددة الجنسيات هي الهيئات المسئولة عن الاستثمار الأجنبي المباشر وهي التي بدأت تكرس مفهوم العولمة الواقعي والذي بدأ بعولمة الاستثمار وانتقال رؤساء الأموال وامتداد إلى عولمة الإنتاج والتوزيع وانتهى بعولمة الثقافة والإعلام والاتصالات، وقد حاولت بعض القوى المتضررة من العولمة اتخاذ إجراءات مواجهة وشكلت ما يسمى قوى خصوم العولمة والتي تعبر عن بعضها المظاهرات والاحتجاجات التي ترافق انعقاد المؤتمرات الدولية التي تبحث في موضوع العولمة، والتي تشعر أن هذه العولمة ما هي إلى إلا تكريس للمفهوم التقليدي للسيطرة على الدول الضعيفة، عبر خرق الاقتصادات القومية، والتأثير على العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة، ومنافسة الإنتاج المحلى، والاستثمار، والثقافة الوطنية: (وكانت التقديرات تذهب إلى وجود 37000 شركة متعددة القومية في نهاية 1992م، منها 90% مقرها في بلاد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وكانت موجوداتها الاستثمارية 2 تريليون دولار ومبيعاتها 5.5 تريليون دولار، وكان ذلك أكبر من إجمالي التجارة العالمية التي بلغت 4 تريليون دولار أمريكي عام 1992م)

ويتضح من خلال هذه الإحصائيات أن الشركات متعددة الجنسيات تفوق في أرقام أعمالهم التجارة الدولية، لأنها اخترقت الحدود الجغرافية والسيادة الوطنية لمعظم الدول وبالتالي كانت السباقة في تطبيق مفهوم العولمة.

عناصر العولمة:
تعبر العولمة عن مجموعة الخصائص والمميزات التي صبغت النظام الاقتصادي والسياسي العالمي الجديد، والذي يتسم (بأنماط جديدة لتقسيم العمل الدولي، تزايد فيه التكتلات الاقتصادية، كما تتعاظم فيه أدزان وأهمية الشركات المتعددة الجنسيات، وتأخذ فيه ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا أبعاداً تجسد عالمية الاقتصاد والسياسة والثقافة، إضافة إلى تزايد دور المؤسسات الاقتصادية الدولية، والتي أخذت تفرض سياستها بشكل مجحف بحق الدول الضعيفة، خدمة لمصالح الدول القوية. وهو نظام يتسم بالديناميكية السريعة وبسيطرة الهرمية القطبية الأحادية).
.
وخاصة بعد أن انهارت منظومة الدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، والذي كان يشكل قوة دولية توازنية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت حتى سقوط جدار برلين 1989م، وانفراط عقد المعسكر الاشتراكي. الأمر الذي أتاح الفرصة مواتية للولايات المتحدة الأمريكية، كي تفرض سيطرتها ونفوذها على القرار السياسي والعسكري العالمي، بدليل تدخلها المباشر في حرب الخليج الثانية وفي حرب البلقان وفي مباحثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة، والتي لم تحقق أية نتيجة لصالح الفلسطينيين، وقد استطاعت عبر هذه الأعمال السياسية والعسكرية من ان تحمي مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية وهو ما حققته من خلال وجودها في منطقة الخليج العربي، حيث تضمن استقرار واستمرار الإمدادات النفطية للسوق العالمي وللبلدان الصناعية إضافة إلى ذلك تسيطر الشركات متعددة الجنسيات على نحو 70% من تجارة الولايات المتحدة الأمريكية وهي الشركات العملاقة العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والإعلام، إضافة إلى الشركات العملاقة العاملة في مجال الخدمات المالية وأسواق الأسهم والسندات، والتي تسيطر على اتجاهات وتحركات رؤوس الأموال العالمية، ولذلك يمكن أن نضيف لمفهوم العولمة، مفهوم آخر وهو الأمركة لأن الظاهرتين متداخلتين ومتكاملتين بشكل كبير، فما هو أثر ذلك على الجغرافيا السياسية للدول.

مفهوم الجغرافيا السياسية للدول وعلاقتها بالعلاقات الدولية والقانون الدولي والاقتصاد العالمي:
تعني الجغرافيا السياسية دراسة الوحدات أو الأقاليم السياسية الموجودة على سطح الأرض بما تشتمل عليه من شعوب وجماعات، تتعرض لمتغيرات مستمرة لا تعرف الاستقرار، بتـأثير المتغيرات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية الدولية المتبادلة بين الوحدات السياسية أو الدول والتي تعلوها تنظيمات سياسية مثل المنظمات الدولية المتخصصة مثل الأمم المتحدة أو المنظمات الاقتصادية فالاتحاد الأوروبي أو منظمة التجارة العالمية أو غيرها من المنظمات.
ومن ذلك فإن الجغرافيا السياسية للدول هي التي تدرس:
1- مدى التوافق الجغرافي بين الدولة والأمة وهنا تثار مسألة الحدود السياسية وهل تضم الدولة أقليات داخلها أم لا.
2- موارد الدولة وحجمها وشكلها سواء كانت موارد طبيعية أو بشرية.
3- درجة التماسك الاجتماعي للسكان وعوامل الوحدة القومية أو الدينية أو اللغوية.
4- تحليل العلاقات بين السكان والجماعات، وفي حالة الأمن والاستقرار السائدة.
ويتبين من هذه الموضوعات أن الجغرافيا السياسية هي مفهوم ديناميكي ومستمر لأن الجماعات البشرية والسكانية تتطور وتؤثر في شكل وبنية الوحدة السياسية وهي الدولة، وكذلك فإن الدولة تتأثر بالمتغيرات الخارجية التي تنعكس عليها بتأثير العلاقات الدولية التي تقيمها سواء السياسية أو الاقتصادية، وما تثيره من حق قانوني في الخصوصية والسيادة على الممتلكات وعلى الإقليم الذي تشغله.
ويتداخل هذا الحق مع التشابكات التي تقوم بها الدولة مع الاقتصاد العالمي من حيث كونها مستوردة أو مصدرة للسلع والخدمات العالمية، وقد تطورت هذه العلاقات وهذه التشابكات إلى أن ظهر مصطلح جديد يعبر عنها وهو الجيوبوليتك (Geoporitik) والذي يجمع بين الجغرافيا والسياسة. أي يقوم على الدراسة الجغرافية للدولة من حيث سياستها الخارجية، بحيث ترتبط الأحداث السياسية بالأرض، أي بالبيئة المحيطة، وهي المجتمع بكافة فئاته وبارتباطاتهم الداخلية والخارجية، وبذلك تمثل الوحدة السياسية مصالح شعوبها وعلاقاتهم مع الشعوب الأخرى، وبذلك تنشأ الحقوق والواجبات القانونية والاقتصادية الدولية، والتي تتبادل التأثيرات فيما بينها، عبر التجارة الدولية أو عبر الثقافة والإعلام والاتصالات والمعلوماتية، التي جعلت العالم يبدو كقرية صغيرة، متجاوزة ومخترقة للحدود القومية والجغرافية للدول دون استئذان ودون مقاومة.
وإذا ما قامت إحدى الوحدات السياسية بالتصدي للمصالح الاقتصادية أو السياسية للوحدات الكبرى المهيمنة فإنها تلقي أنماط عديدة من المقاومة والصراع. والمتمثل في (فرض العقوبات الاقتصادية أو الحصار الاقتصادي أو الحظر على الإمدادات المهمة الغذائية أو التسليمية، وقد تتطور الأمور إلى درجة إعلان الحرب الاقتصادية، ودليل ذلك الإجراءات التي فرضتها الولايات المتحدة على كوبا عام 1960م أو التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة بحظر بيعها الحبوب لغاية 1980 أو العقوبات البريطانية ضد الأرجنتين أثناء حرب جزر الفوكلاند، أو العقوبات الأمريكية التي فرضتها على ليبيا بعد حادثة لوكربي 1992، وليس أخيراً العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان، والتي تتراوح ما بين الحظر الجوي وحظر التعامل التجاري وتجميد الحسابات… الخ)
ويتضح مما سبق أن الجغرافيا السياسية مرتبطة بالمصالح الاقتصادية والسياسية الدولية بشكل وثيق، بحيث أن أي تطور في العالم الخارجي والذي يكون محتوى أرقى إطار العولمة، لابد وأن ينعكس على داخل الوحدات السياسية للدول، وبذلك تتضح العلاقة بين العولمة والجغرافيا السياسية للدول.
أثر العولمة على الجغرافيا السياسية والكيان القانوني للدول:
تبين لدينا التأثير المتبادل بين الدولة كوحدة سياسية وبين التنظيم الدولي، الذي أفرز أنواعاً وأشكالاً جديدة في العلاقات الدولية، التي تأثرت بظاهرة العولمة التي اكتسحت الحدود الجغرافية والثقافية والاقتصادية للدولة، ولذلك تأثرت كافة دول العالم في مظهرها السيادي وفي كيانها القانوني، حيث برزت مفاهيم جديدة تحدد العلاقة بين الفرد والدولة وبين الفرد والمجتمع الداخلي وبين الفرد والمجتمع العلمي الذي بدأ ينغمس فيه بالتدريج متخلياً عن خصوصيته وثقافته وعاداته وتقاليده، تحت ضغط وسائل الإعلام والقنوات الفضائية والتجارة الإلكترونية وشبكة الإنترنت والعرض السلعي الواسع المنافس للإنتاج المحلى مع كافة الإجراءات وإمكانات الدعم والخصوصية، التي تحاول الدول تقديمها للحفاظ على الذات والخصوصية والتي تعتبر من أهم معالم السيادة.
(إن المعطيات الجديدة الناظمة للعلاقات الدولية وبتأثير الحاجات الاقتصادية المتزايدة قد عملت على ترويض السيادة القومية، بحيث تألف الدولة العيش المشترك مع غيرها من الدول في البيئة العالمية، وسيتم ذلك بالطبع بالتخلي عن بعض الحقوق القومية وفقاً لما يتطلبه تحقيق الخير العام الدولي، والذي يعني إفراغ السيادة من مضمونها بامتيازات السلطة المطلقة وإعطاءها مضموناً جديداً قائماً على أداء نشاط وظيفي لصالح الهيئة الاجتماعية الدولية)
وبالطبع فإن هذا التخلي الجزئي عن بعض الحقوق السيادية يثير مسألة قانونية هامة وهي، هل تم التنازل عن إرادة حرة واختيار صريح، أو أنها محكومة بعنصر الضرورة الناجح عن طبيعة علاقاتها مع الهيئة الدولية والتي تعتبر من مستلزمات الطبيعة الجديدة لمجتمعنا الدولي المعاصر، والذي يتجه نحو فكرة التنظيم الدولي والعالم الواحد والذي يقترب من مبدأ التوحيد الذي طرحته الشريعة الإسلامية عبر القرآن الكريم والذي يقوم على فكرة وحدانية الخالق ودور هذه الوحدانية في منع التناقض والازدواجية وبالتالي في خلاص العالم من الفساد، وكذلك يقترب من أفكار حكيم الصين كونفو شيوس الذي كان يحلم بحكومة عالمية وكذلك سقراط الذي طرح شعار (الأرض هي وطني) والذي يعني إسقاط الحدود القائمة بين الأمم والشعوب، على اختلاف أنواعها.
(ولقد كان للتحول المعاصر في العلاقات الدولية من العزلة إلى الانفتاح والتضامن والذي ساهم في تقصير الأبعاد الجغرافية بين الدول أن عمل على خلق الحس الجماعي بإمكانية تحقيق سلطة دولية واحدة تقوم على تخطي "الأنا" القومية في إطار التنظيم الدولي الذي يتضح عبر منظمة الأمم المتحدة، وما تحاول فعله إزاء القضايا الدولية)
وبالطبع تتضح مثالية هذه الأخطار، والتي يبدو أن الواقع يتجه منحىً آخر عنها، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، التي تلعب الدور المسيطر والمهيمن على مجريات الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية في العالم. وبادعائها تفعيل الجهود السلمية في العالم ونشر الرفاه والخير للجميع وأن رسالة أمريكا هي رسالة إنسانية، تبرز حقيقة هذه السياسة من خلال مصالح الولايات المتحدة في العالم من الشرق الأوسط إلى أفغانستان وصولاً إلى الصين وروسيا، ولا يخفي علينا الدور أو الشريك غير النزيه الذي تلعبه في علاقاتها مع إسرائيل ومع العرب ومع القضية الفلسطينية فإذا كانت العولمة تعني الأمركة والتي تعني التدخل والانتقاص من السيادة الوطنية لحساب السيادة الدولية، فهذا يعني السيادة الأمريكية عملياً، لأن منظمة الأمم المتحدة أثبتت خلال تاريخها خضوعها الدائم لمطالب ومصالح الولايات المتحدة. وبالتالي فإن أي أمركة أو عولمة تنتقص من السيادة يجب أن تواجه، لآن المصالح الخاصة والثقافة والتراث والعادات والتقاليد يجب الحفاظ عليها لأنها جزءاً من السيادة الوطنية.

هل يمكن تعميم الآثار على كافة دول العالم:
بشكل عام يمكن الإجابة بنعم، حيث لا توجد أية وحدة سياسية في العالم في منأى عن التغيرات والتدخلات في شؤونها السيادية، وذلك بسبب طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية المفروضة عليها، وفي أفضل الحالات تبرز كظاهرة من مظاهر العولمة (التحالفات بين القوى الإنتاجية أو التسويقية المختلفة والتي تتم بين المشروعات صغير الحجم والشركات متعددة الجنسيات أو بين الشركات متعددة الجنسيات والحكومات والتي تهدف إلى تحويل العلاقة التنافسية إلى علاقة تعاونية عن طريق الاشتراك في إنتاج وتسويق العديد من السلع، وكذلك التحالفات في التمويل الدولي وفي البحوث والتطوير وصناعة التكنولوجيا المتقدمة ونموذج التحالفات بالمشروعات المشتركة الجديدة)
وفي المشاهدات الواقعية يتبين أن هذه التحالفات الإيجابية في ظاهرة، تعتبر في الواقع العملي شكل من أشكال التدخل في السيادة، لأنها تؤثر على بنية وشكل وهيكل الاقتصاد الوطني، وتجعله تابعاً للقوى الخارجية المندمج معها ويبعد الاقتصاد الوطني عن الخصوصية، ويعمل على إحداث عملية تغريب اقتصادي للنشاطات والقطاعات الإنتاجية التي تمتلك إمكانات التطور والنمو والمنافسة، إذ لا يعقل أن تقوم أية شركة أجنبية أو أية حكومة أجنبية بالتعاون أو التشارك مع أية شركة وطنية أو حكومة وطنية في قطاعات خاسرة، أو في قطاعات لا تمتلك فرص التسويق الداخلي أو الخارجي، وبالتالي نتأكد من أن العولمة باختراقها للحدود الوطنية السياسية وخاصة في الدول النامية، ما هي إلا شكل جديد لاستمرار السيطرة والهيمنة الدولية من قبل الأقوياء، وأن كافة دول العالم تتأثر بهذه العلاقة، مع اختلاف الأدوار والمواقع وقوة الـأثر والتأثير، وفي بعض الدول تبرز هناك خصوصية محددة كما هو الحال في المنطقة العربية، ودول الخليج العربي.

خصوصية أثر العولمة على الجغرافيا السياسية في المنطقة العربية ودول الخليج العربي:
تتميز العولمة ببروز مفهوم الإدارة الإستراتيجية لمنظمات الأعمال، والذي يعني ضرورة قيام المنظمة بكافة أشكالها من إدارات حكومية أو شركات متعددة الجنسيات، أو حتى على مستوى إدارة المشروعات المتوسطة والصغيرة، (تبين رؤية مستقبلية VISION وتحديد رسالتها التنظيمية MISSION، وبناءها لغاياتها GOOLS وأهدافها OBJECTIVES بوعي وإدراك لعناصر التأثير المتعددة، وذلك حسب النتائج الاقتصادية والمالية المحققة، المدعومة بالمركز التنافسي، وبقدرتها على
إحداث التغير، وتخصيص الموارد والإمكانات بطريقة فعالة)

وقد تبنت الدول القوية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها واليابان ودول جنوب شرق أسيا ومعظم الشركات متعددة الجنسيات، هذا المفهوم في نظرتهم إلى المنظمة العربية بشكل عام وإلى دول الخليج العربي بشكل خاص، وذلك لعدة أسباب أهمها أن هذه المنطقة تمتلك ثلثي الاحتياطي النفطي العالمي، وأنها نقطة حيوية في المجال الجيوبولتيكي والذي يتطلب إحداث توازن في المحيط الهندي، حيث أن المصالح الأمريكية تكمن في توازن المنطقة والذي يتهدد باستمرار، بتناقض المصالح بين الهند وباكستان وروسيا والصين وبين مصالح أمريكا في ضمان إمدادات النفط واستقرار الخليج العربي، وضمان مصالح إسرائيل الأمنية والاقتصادية إضافة إلى كون المنطقة العربية تشكل سوقاً جذابة للشركات العالمية، ونقطة جذب للاستثمارات الضخمة العربية تشكل سوقاً جذابة للشركات العالمية، ونقطة جذب للاستثمارات الضخمة في قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات.
وتشير الوقائع السياسية والأمنية إلى أن الولايات المتحدة (لا تواجه أي تحدٍ جدي لسيادتها إلا في العالم العربي والإسلامي، على الرغم من علاقاتها الوطيدة بالمغرب وتونس ومصر والسعودية والبلدان الخليجية الصغيرة، لا تزال العراق وإيران وليبيا وأفغانستان وإلى حد ما السودان وسوريا، تتحدى القوة الأمريكية، فقد مثل هذه التحدي الإسلامي أكثر التحديات جدية للسيطرة الغربية الثقافية، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي) (بول سالم، ندوة العرب والعولمة، ص214).
وبذلك تتضح خصوصية أثر العولمة على منطقتنا، التي تعتبر من المناطق المهمة والحساسة في العالم المعاصر سواء بسبب قوتها الاقتصادية أو السياسية أو العقائدية، والتي تحاول دائماً الحفاظ على خصوصيتها وعراقتها والتمسك بقصيدتها الإسلامية.


الدور المستقبلي للدولة والجغرافيا السياسية في ظل العولمة:
مع انهيار الكتلة الشيوعية وانهيار التوازن الدولي معها، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقطب أحادى في العالم والذي استمد شرعيته الأولى من حرب تحرير الكويت، وبداية السيطرة الأمريكية العلنية على الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبذلك يكون العالم قد دخل في حقبة جديدة (تكون فيها جميع دول العالم وحكوماته قد أصبحت ولأول مرة في التاريخ داخل إطار مؤسس واحد، بحيث تتطابق ولأول مرة حدود التنظيم الدولي جغرافياً ووظيفياً مع حدود النظام الدولي مع فارق مهم وهو أن العضوية في "النظام" هي لكل الفاعلين الدوليين سواء أكانوا دولاً أم لم يكونوا)

وبذلك يتضح أن النظام الدولي قد أقر بعضوية الشركات متعددة الجنسيات والتي أصبحت أعمالها سواء من ناحية الإنتاج أو التسويق، تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للدول، وأصبحت تنتج وتسوق عبر شبكة عالمية، حتى أن بعض الشركات الكبيرة يزيد ناتجها عن الناتج المحلي لمجموعة كبيرة في الدول، ومن هنا يتبين لدينا، أن الدور المستقبلي للدولة، في مواجهة متغيرات وعناصر العولمة مرهون بقوتها وبإمكاناتها، وبمدى تأثرها وارتباطها مع الشركات متعددة الجنسيات، وكلما كانت الدولة قوية، تستطيع الحد من أثر غزو العولمة لها وبالتالي تتمكن من الحفاظ على خصوصيتها، وبشكل خاص على هويتها الثقافية وعلى خصائصها الاجتماعية وقيمها الدينية والروحية، بحيث تتم عملية وحدة وصيانة العقيدة الخاصة بكل شعب من الشعوب، لأن العولمة تعمل باتجاه اندماج الحضارات والثقافات والقيم ولكن هذا الاندماج هو غير اصطفائي للأفضل، بل هو فرض لثقافة وحضارة وقيم الأقوى.
ومع ذلك يجب على الدولة أن لا تعتبر كل جوانب العولمة سلبية، على وجودها ودورها ورسالتها وأهدافها، لأن العولمة تحتوي بعض الجوانب المشرقة إذا ما توفرت لها الظروف الملائمة.


مقترحات وتوصيات:
من خلال ما تقوم، يبدوا أن العولمة تمثل خطراً مباشراً وأكيداً على الوحدات السياسية العالمية وخاصة في الدول النامية ومنها منطقتنا العربية والخليجية، وبالتالي ينبغي على الدولة أن تتخذ مجموعة من الإجراءات للحفاظ على هديتها وخصوصيتها ومصالحها، وأهمها تفعيل ظاهرة التكتلات الاقتصادية العربية مثل اتفاقية مجلس التعاون لدول الخليج العربي واتحاد دول المغرب العربي ومجلس التعاون العربي المعطل الذي يضم (العراق-الأردن-واليمن) وكذلك تفعيل السوق العربية المشتركة، لأن العولمة تتطلب القوة ولا قوة بدون التعاون والتكامل، إضافة إلى ذلك يلزم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوحيد سياسات التعليم والثقافة والإعلام وتطوير البحوث الاجتماعية، ورفع درجة الوعي الاجتماعي، وتطوير أجهزة وبرامج الإعلام العربية، التي تعرض ثقافتنا وخصوصيتنا وعقيدتنا، وتعمل لنشرها ولدعوة التمسك بالقيم الروحية الأصيلة، كما يلزم النظر بإيجابية لبعض (الجوانب المشرقة للعولمة مثل تسهيل التجارة وزيادة حجمها وانتقال رؤوس الأموال والتكنولوجيا وحل مشكلة البطالة عبر التشغيل، وسياسات الخصخصة المدروسة، وتدعيم ظاهرة الاعتماد التبادلي سياسياً وثقافياً وفكرياً ودعم الحركة الديمقراطية وحقوق الإنسان وكذلك دعم وجود حضارة إنسانية واحدة تجمع بين الشعوب ولا تفرقهم، وكذلك دعم احترام الاختلافات بين الحضارات وازدياد مجال التعاون الدولي في البحث والتعليم والتربية والثقافة).
وبقدر ما تنجح الدولة في تحقيق هذه الأهداف، تكون قد استطاعة التأقلم مع العولة والحد من أثارها السلبية عليها، وبذلك تكون قد حافظت على سيادتها وقامت بدورها التاريخي المعروف.
ويتوجب على الدولة أن تعي حقيقة الدعوات التي تطلقها المؤسسات الدولية التي تخدم مصالح الدول المتقدمة ومنها على سبيل المثال الدعوات القائلة بأن (للعولمة أثار عميقة على البلدان النامية فهي تخلق فرصاً جديدة للتجارة وتدفقات أكبر في رؤوس الأموال الخاصة للداخل وتحسين إمكانية الحصول على التكنولوجيا. وأن ازدياد اندماج البلدان النامية في الاقتصاد العالمي يمثل فرصة كبرى للنهوض برفاهة البلدان النامية
والبلدان الصناعية على السواء وعلى المدى الطويل)

لأن الواقع المعاصر والإحصاءات المنشورة لا تؤكد هذه الحقيقة لأن المنافسة أصبحت جداً قوية بين الدول النامية والمتقدمة وأن التكنولوجيا المتطورة محظورة على البلدان النامية، أو أن تكاليفها مرتفعة جداً بحيث لا يمكن لها أن تدفع ثمنها، وحقيقة أن الاستثمارات التي تتجه نحو البلدان المتقدمة هي أعلى بكثير من المتجهة نحو الدول النامية. وهذا يعني أن مسؤولية الدولة في ظل العولمة تصبح أكثر خطورة وعليها أن تصبح أكثر التزاماً أمام شعوبها، في الحفاظ على مصالحها.


مفهوم العولمة:
لا يزال مفهوم العولمة يكتنفه بعض الغموض بسبب اختلاف المنطلقات الفكرية ومرجعيتها التخصصية، حيث يغلب عليها الاقتصاديين، المضمون القتصادي، بما تتضمنه من التحول إلى سوق عالمية مفتوحة ومحكومة بقوانين وآليات الاقتصاد والرأسمالي، بعد انهيار قوانين وآليات النظام الاقتصادي الاشتراكي في بداية التسعينات، ويغلب عليها المحللين السياسيين، المضمون السياسي، باعتبارها تحتوي على قضايا عديدة سياسية مثل الدولة القومية والعولمة، والشرعية الدولية وحقوق الإنسان والسلام العالمي، بكل ما تحتويه هذه الأفكار من تناقضات بين التنظير السياسي والواقع الفعلي، الذي يتجسد بالسيطرة الأمريكية على القرار السياسي العالمي، وكذلك تحتوي العولمة بعداً أخر هو البعد الثقافي، حيث يراها المثقفون بأنها تحتوي على هيمنة ثقافية غربية وأنها بمثابة تدمير للهاويات الثقافية الوطنية، ويساعدها في ذلك انتشار وسائل الاتصالات والإعلام الحديثة والقنوات الفضائية وشبكة الإنترنت، بحيث اخترقت وسائل الإعلام العالمية الحدود الثقافية للمجتمعات الوطنية، وأثرت على خصوصيتها وبالتالي أثرة على مفهوم السيادة الخاص بكل دولة.
وحتى تتقي الدول هذه التأثيرات يجب مواجهتها بالقدرة على الاندماج في العولمة وحتى تستطيع ذلك (لابد أن تكون هذه الدولة أو الدول قوية، ذات قدرات تنظيمية، ومؤسسية وثقافية عالية، ويتطلب ذلك تحديث هياكل الفكر والتعليم والتحول الديمقراطي وصياغة سياسة علمية وتكنولوجية فعالة(1).
ومن هذه المتطلبات يتضح أن مفهوم العولمة يعني إلغاء وإزالة حدود الدولة بالمفهوم القومي أو الاقتصادي أو الثقافي، وأن تصبح المتغيرات التي تفرضها القوى المسيطرة، فاعلة ومؤثرة على مساحة الجغرافيا الدولية والأسواق الدولية بحيث تصبح الأسواق واحدة، والسياسة متقاربة والثقافة ممتزجة بما يرد إليها كل يوم، وبحيث يبدو أن العالم أصبح وكأنه قرية صغيرة.

أهم خصائص العولمة:
أولاً: الخصائص الاقتصادية: وتتمثل في:
1- زيادة أهمية القطاع الخاص في مجالات الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية.
2- زيادة دور المؤسسات والشركات العابرة للقوميات في الاقتصاد العالمي(1).
3- سيادة نظام السوق والحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.
4- ظهور وتبلور وتوسع ظاهرة الخصخصة، بمعنى بيع ممتلكات الدولة إلى القطاع الخاص، لأن أكثر قدرة على التنظيم وتحقيق النمو والأرباح، (وقد بلغت الخصخصة خلال الفترة بين 1990-1996م نحو 155 مليار دولار، وشملت 180 بلداً و6800 مؤسسة عامة) (2).
5- التطور التكنولوجي الهائل وخاصة في مجال استخدام البرامج والحاسبات الإلكترونية، وانتشار شبكات الاتصالات. وانتقال المعلومات والمعارف والتجارة الإلكترونية.
6- ظهور تبلور استراتيجيات الإنتاج بقصد التصدير وزيادة المنافسة على اقتسام الأسواق.
7- ظهور التحالفات الاقتصادية والسياسية بين الدول مثل (الاتحاد الأوروبي، والنافثا، والأسيان، وأربك، ودول مجلس التعاون الخليجي).

إدارة المستقبل تتمثل في السيطرة على الأسواق:
يتضح من المشاهدات (1).

العودة إلى ::: المنتدى العام :::

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار